وهبة الزحيلي
79
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
بذكر القرآن وبالطعن فيه . وضمير مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ كما قال الجمهور : هو عائد على الحرم أو المسجد أو البلد الذي هو مكة ، وإن لم يذكر سابقا ؛ لشهرته في الأمر . 4 - روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : إنما كره السّمر حين نزلت هذه الآية : مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ ، سامِراً تَهْجُرُونَ يعني أن اللّه تعالى ذم أقواما يسمرون في غير طاعة اللّه تعالى ، إما في هذيان ، وإما في إذاية . و روى مسلم عن أبي برزة قال : « كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يؤخر العشاء إلى ثلث الليل ، ويكره النوم قبلها ، والحديث بعدها » . أما كراهية النوم قبلها فلئلا يعرّضها للفوات عن كل وقتها أو أفضل وقتها ، وهذا مذهب مالك والشافعي . وأما كراهية الحديث بعدها ، فلأن الصلاة قد كفرت خطاياه ، فينام على سلامة ، وقد ختم الكتّاب صحيفته بالعبادة ، فإن سمر وتحدث ، فيجعل خاتمتها اللغو والباطل ، وليس هذا من فعل المؤمنين . وأيضا السمر في الحديث والسهر يفوت عليه غالبا قيام آخر الليل ، وربما ينام عن صلاة الصبح . روى أحمد حديثا : « لا سمر بعد الصلاة » أي العشاء الآخرة . روى جابر بن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إياكم والسّمر بعد هدأة الرجل ، فإن أحدكم لا يدري ما يبث اللّه تعالى من خلقه ، أغلقوا الأبواب ، وأوكوا السّقاء ، وخمّروا الإناء ، وأطفئوا المصابيح » . وهذه الكراهية إنما تختص بما لا يكون من قبيل القرب والأذكار وتعليم العلم ، ومسامرة الأهل بالعلم وبتعليم المصالح وما شابه ذلك ، فقد ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وعن السلف ما يدل على جواز ذلك ، بل على ندبه . 5 - إن إقدام الكفار على الأمور الثلاثة المتقدمة لأسباب أربعة : هي عدم تدبرهم القرآن أي عدم تفهمهم له ، واعتقادهم أن مجيء الرسل على خلاف العادة ، وتجاهلهم وإنكارهم خصال الرسول صلّى اللّه عليه وسلم قبل النبوة ، فإنهم عرفوه وعرفوا أنه من